المحقق النراقي

19

عوائد الأيام

الأول : أنه وإن كان مقتضى الجمع المحلى باللام كونه مفيدا للعموم ، ولكن يخدشه في الآية أمران : أحدهما : أنا قد ذكرنا في كتبنا الأصولية ( 1 ) : أن الثابت من أصالة الحقيقة إنما هو إذا لم يقترن بالكلام - حين التكلم به - ما يوجب الظن بعدم إرادة الحقيقة ، أي لم يقترن به ما يظن كونه قرينة للصرف عن الحقيقة ، بل لم يقترن ما يصلح لكونه قرينة . ومما لا شك فيه : أن تقدم طلب بعض أفراد الماهية أو الجمع المحلى على الطلب ( 2 ) باللفظ الدال على الماهية ، أو بالجمع ( 3 ) ، مما يظن معه إرادة الأفراد المتقدمة ، ولا أقل من صلاحية كونه قرينة لإرادتها ، ألا ترى أنه إذا قال مولى - في داره عشرون بيتا ، وله عشرون ثوبا - لعبده : اكنس كل يوم البيت الفلاني ، والفلاني ، والفلاني ، إلى خمسة بيوت مثلا ، واغسل كل يوم الثوب الفلاني ، والفلاني ، إلى خمسة أثواب ، ثم قال له في يوم : اكنس البيوت واغسل الثياب ، ثم اذهب إلى السوق ، يظن ، بل يفهم إرادة البيوت والثياب المعهودة ، دون العموم . وعلى هذا فنقول : إن تلك الآية في سورة المائدة ، وهي على ما ذكره المفسرون آخر السور المنزلة ( 4 ) في أواخر عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 5 ) ، ولا شك أن قبل نزولها قد علم من الشارع وجوب الوفاء بطائفة جمة من العقود ، كالعقود التي بين الله سبحانه وبين عباده ، من الإيمان به وبرسله وكتبه ، والإتيان بالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وغيرها ، بل بعض العقود التي بين الناس بعضهم مع

--> ( 1 ) انظر مناهج الأحكام : 14 ، الفصل الرابع في الحقيقة والمجاز . ( 2 ) في " ه‍ " : على طلب الطلب . ( 3 ) في " ج " : أو الجمع ، وفي " ه‍ " : أو بالجميع . ( 4 ) في " ب " ، " ج " زيادة : أو من المنزلة . ( 5 ) قال أبو ميسرة : المائدة من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ ( الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 : 30 ، ونقله عنه وعن ابن عمر وضمرة بن حبيب وعطية بن قيس في الدر المنثور 2 : 252 .